فخر الدين الرازي

95

المطالب العالية من العلم الإلهي

الحجة الرابعة : قالوا : لو كان العالم حادثا ، لكان الفاعل الأول لم يزل « 1 » غير فاعل ، وكل ما لم يكن [ فاعلا « 2 » ] فإنه يصير فاعلا على وجه الحكمة ، إلا عند تغير شيء ، لا يكون ذلك التغير « 3 » من قبله . وذلك في حق اللّه تعالى محال . فكان يجب أن يمتنع أن يصير فاعلا [ بعد أن لم يكن فاعلا « 4 » ولما كان [ هذا « 5 » ] باطلا ، علمنا أنه كان فاعلا لم يزل . فيفتقر هاهنا إلى تقرير مقامين : المقام الأول : إن الفاعل الحكيم يمتنع أن يكون فاعلا بعد أن كان غير فاعل ، إلا عند تغير شيء لا يكون ذلك التغير من قبله . والدليل عليه : إنا إذا فرضنا رجلا [ كان « 6 » ] جالسا عندنا مدة طويلة باختياره [ ثم إنه قام عنا باختياره « 7 » ] فهذا التبدل إنما حصل ، لأنه حصل تبدل في حالة من الأحوال ، إلا « 8 » باختياره ، مثل إنه قرب وصول الليل ، فقام الرجل عن ذلك المكان ، لذلك السبب . أو تذكر مهما كان [ قد « 9 » ] نسيه ، أو وصل إليه خبر كان غافلا عنه . فإذا لم يحدث البتة حادث ، ينقل هذا الرجل عن الرأي الأول إلى ضده ، امتنع أن يتبدل حاله في الفعل والترك . ونقول : هذا إما أن يكون ممتنعا ، أو أن لم يمتنع . لكنه يكون سفها ، فإن الرجل إذا كان جالسا في داره مدة سبعين سنة ، ولم يتحرك ولم يشتغل بمصلحة « 10 » ولا بإصلاح حال ، ثم نفر بعد ذلك دفعة واحدة بجد عظيم ، واجتهاد شديد ، وشرع في الأعمال ، وفي نظم المهمات . فإذا قيل له . وما السبب الذي اقتضى الانتقال من الفراغ المتقدم ، إلى هذا الاشتغال التام ؟ فإذا لم يذكر فيه سببا البتة ، كان ذلك إما ممتنعا في نفسه ، أو كان محض العبث والسفه . فيثبت بهذا أن القائل المختار الحكيم لا ينتقل من الترك إلى الفعل إلا بسبب متغير ، ويجب أن يكون ذلك التغير لا من

--> ( 1 ) يكن ( ت ) ( 6 ) من ( س ) ( 2 ) من ( ط ، س ) ( 7 ) من ( ط ) ( 3 ) المتغير ( ت ) ( 8 ) لا ( ط ) ( 4 ) من ( ط ) ( 9 ) من ( ط ، س ) ( 5 ) من ( ط ) ( 10 ) بمهم ( ط )